محمود فجال
122
الحديث النبوي في النحو العربي
وبجره ، هذا من حيث المتن ، وأما من حيث السند فقد عرف المجيزون والمانعون أن ما في روايات الحديث من ضبط ، ودقة ، وتحرّ ، لا يتحلى ببعضه كل ما يحتج به النحاة واللغويون من كلام العرب ، حتى قال « الأعمش » : « كان هذا العلم عند أقوام كان أحدهم لأن يخر من السماء أحب إليه من أن يزيد فيه واوا أو ألفا أو دالا » « 1 » . وأما المانع الثاني ، وهو وقوع لحن في بعض الأحاديث المروية ، فهو شيء - إن وقع - قليل جدا ، لا يبنى عليه حكم ، وقد تنبه إليه الناس وتحاموه ، ولم يحتج به أحد ، ولا يصح أن يمنع من أجله الاحتجاج بهذا الفيض الزاخر من الحديث الصحيح إلا إن جاز إسقاط الاحتجاج بالقرآن الكريم ؛ لأن بعض الناس يلحن فيه . وأنت تعرف إلى هذا أنهم قد تشددوا في أخذ الناس بضبط ألفاظ الحديث ، حتى إذا لحن فيه شاد « 2 » أو عاميّ ، أقاموا عليه النكير ، بل إن بعضهم ليدخله النار بسببه ، وكان هذا التشديد تقليدا متوارثا في حملة الحديث حتى يومنا هذا . قال « جمال الدين القاسمي » - 1332 ه : « من قرأ حديث رسول اللّه ، وهو يعلم أنه يلحن فيه ، سواء أكان في أدائه أم في إعرابه ، يدخل في هذا الوعيد الشديد ، ( يعني قوله - صلّى اللّه عليه وسلّم - : من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ) ؛ لأنه بلحنه كاذب عليه » « 3 » حتى الذين يروونه بالمعنى يعظمون أمر اللحن في الحديث ، فهذا إمام أهل الشام « الأوزاعيّ » يقول : « أعربوا الحديث فإن القوم كانوا عربا » ، ويقول : « لا بأس بإصلاح اللحن في الحديث » .
--> ( 1 ) « الكفاية » 178 . ( 2 ) شدا ، يشدو ، شدوا ، من باب قتل ، يقال : شدا من العلم شيئا ، وهو شاد ، وأخذ منه شدا : طرفا وذروا . « أساس البلاغة » ( شدو ) . ( 3 ) « قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث » 173 .